عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

84

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

وقد يوجد في خواصّ أهل التمكين من يعتمد على مشاهدة ظواهر القوالب لكي تستتر عنه أنوار التجلّي المحرقة للمحلّ ، كما كان عليه السلام يضرب بيده على فخذ عائشة عند ذلك ويقول : « كلّميني يا حميرا » « 1 » لكي يستتر عنه بعض ما كوشف به من صفات الجلال الموجبة لطمس الذات فينزل إلى المحسوسات التي هي محلّ الرحمة إبقاء على مركب الرسالة في حقّ الأمة : [ من الطويل ] وأني لتعروني مهابة عزّها * إذا ما تراءت من بعيد خيامها أعد ذكرها يا من سلا في مسامعي * ليشفي كلوما في الفؤاد كلامها وكذلك دخلوا مرة على الشبلي رحمه اللّه وهو ينتف لحمه بمنقاش كان في يده ، فسئل عن ذلك فقال : الحقيقة ظاهرة لي ولست أطيقها فأنا أدخل الألم على نفسي لعلي أحسّ به فتستتر عني ، فلا أنا أجد الألم ولا هي تستتر عني . وإنما راعى الإبقاء على قالبه ، ولا شكّ أن أنوار التجلّي المنسوبة للجلال تمحق رسوم الذوات كما تمحق أنوار الشمس أبصار الخفافيش ، فإذا استترت تلك الأنوار عادت الذوات ، وإن ظهرت تلاشت : [ من الرجز ] كما ترى حيّرني * شرّدني عن وطني إذا تغيّبت بدا * وإن بدا غيّبني « 2 » وقال بعضهم : « أقمت كذا وكذا سنة بين الوجد والفقد ، إذا وجدت ربّي فقدت قلبي وإن وجدت قلبي فقدت ربّي » إشارة منه إلى المحو والإثبات . وبالجملة فإن من قويت روحانيته بما يرد عليه من أفق الأنوار يضعف هيكله الإنساني لكون ما يكاشف به من الصور الروحانية أعظم مما يطيقه جسمه . ولذلك يوجد صاحب هذا المقام إما قصير العمر أو ضعيف البنية الآدمية ، وأما من لا يكون له رياضة قلبية فيذهل عقله ويفرّ عن الناس كمجنون ليلى إذ لم تهذّبه الرياضة .

--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 1198 ) ( 1 / 450 ) عند تعليقه على حديث : « خذوا شطر دينكم عن الحميراء » . ( 2 ) هذان البيتان هما لأبي بكر الشبلي دلف بن جحدر ، وقد سبقت الإشارة إليه .